الشيخ المنتظري
826
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
تستطاب لك الألوان ، وتنقل إِليك الجفان . وما ظننت أنك تجيب إِلى طعام قوم عائلهم مجفوّ وغنيّهم مدعوّ ، فانظر إِلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه . ألا وإِنّ لِكلّ مأموم إِماماً يقتدي به ويستضئ بنور علمه ، ألا وإن إِمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه . ألا وإِنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد . فواللّه ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً . . . ولو شئت لاهتديت الطريق إِلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إِلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ! ! أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ! ! أو أكون كما قال القائل : وحسبك داءً أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إِلى القدّ . أأقنع من نفسي بأن يقال : أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ؟ أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ؟ الحديث . " ( 1 ) أقول : المأدبة بفتح الدال وضمّها : الطعام يصنع لدعوة أو عرس . والجفان جمع الجفنة وهي القصعة . والقضم : الأكل بطرف الأسنان . والطمر بالكسر : الثوب الخلق . والتبر بالكسر : ما كان من الذهب غير مصوغ أو غير مضروب . والوفر : المال الكثير الواسع . والقمح : البُرّ . والجشع : شدّة الحرص . والبطنة : الامتلاء من الطعام . والقِدّ بالكسر والتشديد : القطعة من الجلد غير المدبوغ . فتأمّل في هذا الكتاب الشريف ، وانظر إِلى سيرة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مطعمه وملبسه حينما كان متصدياً للولاية العامة ، وكان في قبضته الأموال العامة وبيت مال المسلمين ، وانظر إِلى أنّه مع ما كان بين الكوفة والبصرة من المسافة البعيدة ولم تكن توجد في تلك الأعصار ما يوجد من المخابرات كيف كان أمير المؤمنين ( عليه السلام )
--> 1 - نهج البلاغة ، فيض / 965 ; عبده 3 / 78 ; لح / 416 ، الكتاب 45 .